ابو القاسم عبد الكريم القشيري
200
الرسالة القشيرية
باب الزهد أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني ، قال . أخبرنا أبو الحسن عبيد اللّه ابن أحمد بن يعقوب المقرى ببغداد ، قال : حدثنا جعفر بن مجاشع قال : حدثنا زيد بن إسماعيل قال : حدثنا كثير بن هشام قال : حدثنا الحكم بن هشام ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي فروة ، عن أبي خلاد - وكانت له صحبة - قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيتم الرجل قد أوتى زهدا في الدنيا ، ومنطقا ، فاقتربوا منه ؛ فإنه يلقن الحكمة « 1 » » . قال الأستاذ الإمام أبو القاسم ، رحمه اللّه : اختلف الناس في الزهد « 2 » ؛ فمنهم من قال . الزهد في الحرام ؛ لأن الحلال مباح من قبل اللّه تعالى ؛ فإذا أنعم اللّه على عبده بمال من حلال ، وتعبده بالشكر عليه ، فتركه له باختياره لا يقدم « 3 » على إمساكه له بحق إذنه « 4 » . ومنهم من قال : الزهد في الحرام واجب ، وفي الحلال فضيلة ؛ فان إقلال المال - والعبد صابر في حاله ، راض بما قسم اللّه تعالى له ، قانع بما يعطيه - أتم من توسعه وتبسطه في الدنيا ، فان اللّه تعالى زهد الخلق في الدنيا بقوله : « قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى » « 5 » : وغير ذلك من الآيات الواردة في ذم الدنيا والتزهيد فيها . ومنهم من قال : إذا أنفق العبد ماله في الطاعة ، وعلم من حاله الصبر ، وترك التعرض لما نهاه الشرع عنه في حال العسر ، فحينئذ يكون زهده في المال الحلال أتم .
--> ( 1 ) رواه ابن ماجة بنحوه وفيه ضعف . ( 2 ) لا من حيث معناه ، بل من حيث متعلق حكمه . ( 3 ) أي فالأمر إلى سواه لا أو لوية لأحدهما على الآخر فتركه مثل إمساكه في الفضيلة ( العروسى ) . ( 4 ) فلا يكون تركه زهدا عند هذا القاتل . ( 5 ) آية 77 من سورة النساء .